مجد الدين ابن الأثير

198

المختار من مناقب الأخيار

وقال إبراهيم : كنت في جبل اللّكّام « 1 » ، فرأيت فيه رمّانا فاشتهيته ، فدنوت إلى شجرة ، فأخذت منها واحدة فشققتها فوجدتها حامضة ، فمضيت وتركت الرمّان ، فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير فقلت : سلام عليك . فقال : وعليك السلام يا إبراهيم . فقلت : وكيف عرفتني ؟ فقال : من عرف اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء . فقلت : أرى لك حالا مع اللّه تعالى ، فلو سألته أن يحميك ويقيك الأذى من هذه الزنابير ؟ فقال لي : فأرى لك حالا مع اللّه تعالى ، فلو سألته أن يقيك شهوة الرّمان ؟ فإنّ لدغ الرّمّان يجد الإنسان ألمه في الآخرة « 2 » ، ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا . فتركته ومضيت . وقال إبراهيم : بينا أنا أسير في البادية ، فإذا بهاتف يهتف بي ، فالتفتّ إليه ، فإذا أعرابيّ يسير ، فقال لي : يا إبراهيم ، التوكّل عندنا : أقم حتى يصحّ لك التوكّل ؛ ألا تعلم أنّ رجاءك لدخول مكة فيه أطعمة تحملك ، اقطع رجاءك عن البلدان وتوكّل . وقال إبراهيم : رأيت في طريق الشام شابّا حدثا ، حسن المراعاة ، فقال لي : هل لك في الصّحبة ؟ فقلت : إني أجوع . فقال : إن جعت جعت معك . فبقينا « 3 » أربعة أيام ، ففتح علينا بشيء فقلت : هلمّ . فقال : اعتقدت « 4 » أني لا آخذ بواسطة ؟ فقلت : يا غلام ، دقّقت ؟ فقال : يا إبراهيم ، لا تبهرج فإنّ الناقد بصير ، مالك والتوكل ؟ فقال : أقلّ التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات ، فلا تسمو نفسك إلّا إلى من إليه الكفايات « 5 » .

--> ( 1 ) اللكّام ، بالضم وتشديد الكاف : الجبل المشرف على أنطاكية والمصيصة وطرسوس من ساحل بلاد الشام . انظر معجم البلدان 5 / 11 و 22 . ( 2 ) في ( أ ) : « يجد الإنسان لدغه يوم القيامة » ، والمثبت من ( ل ) . ( 3 ) في ( أ ) : « . . جعت . فقضينا . . » ، والمثبت من ( ل ) . ( 4 ) في الكواكب : « عقدت » . ( 5 ) ذكره المناوي في الكواكب 1 / 185 .